|
|
|
|
|
|
السينودس من أجل الشرق الأوسط |
|
بدعوة من قداسة الحبر الأعظم
البابا بندكتوس السادس عشر، ينعقد
في حاضرة الفاتيكان سينودس
الأساقفة من أجل الشرق الأوسط في
الفترة الواقعة بين 10- 24 تشرين
الأول 2010 تحت عنوان "الكنيسة
الكاثوليكية في الشرق الأوسط:
شركة وشهادة. ˮوكان جماعة
المؤمنين قلباً واحداً وروحاً
واحدة‟ (أعمال 4,32)". وكان
قداستُهُ سلّم البطاركة والأساقفة
وثيقة خاصة بأعمال هذا المجمع
خلال زيارته الرسولية الأخيرة إلى
قبرص، والتي بُنِيَت على الأجوبة
المقدّمة من الأساقفة والكهنة
والمؤمنين على الأسئلة التحضيرية
لهذا المجمع المرتَقَب.
من الأهمية بمكان بدايةً الإشارة
إلى هذه البادرة التي أطلقها
قداستُهُ، والتي تنم عن المحبة
الخاصة التي يوليها تجاه الشرق
الأوسط ومسيحييه بشكل خاص،
وتلّمسه لأهمية حضورهم والمخاطر
التي تهدّد وجودهم في هذا الشرق.
في مداخلتي هذه لن أتوقّف عن كل
النقاط التي تطرّقت إليها الوثيقة،
وأكتفي فقط بإلقاء نظرة سريعة على
الفقرة الأولى منه بعنوان "الكنيسة
الكاثوليكية في الشرق الأوسط"
والذي تندرج تحته نقاطٌ عدة. لقد
حدّدت الوثيقة هدف السينودس كما
يلي: أ- تثبيت وتقوية المؤمنين في
هويتهم المسيحية بواسطة كلمة الله
والأسرار. ب- إحياء الشركة
الكنسية بين الكنائس الكاثوليكية
ذات الحكم الذاتي والكنائس الأخرى.
تؤكّد الوثيقة في الدرجة الأولى
على الحضور التاريخي الراسخ
للمسيحيين في الشرق الأوسط، الذي
هو ليس حضور صدفة، أو حضور مهاجر،
وإنّما هو حضور أصيل منذ نشأة
المسيحية في أورشليم وانتشارها في
العالم انطلاقاً من دمشق حيث
اهتدى رسول الأمم، ومن أنطاكيا
عاصمة سورية القديمة حيث دُعي
فيها المسيحيون لأول مرة بهذا
الاسم على ما يؤكّد سفر أعمال
الرسل. وتؤكّد على أهمية تاريخ
المسيحيين في الشرق الأوسط ليس
بالنسبة للساكنين فيه وحسب،
وإنّما بالنسبة أيضاً إلى كل
مسيحيي العالم. فالمسيحيون، وبحسب
ما جاء في الوثيقة "هم مواطنون
أصليون، ينتمون حتماً وقانوناً
إلى النسيج الاجتماعي، وإلى
الهوية ذاتها لبلادهم الخاصة. وفي
اختفائهم خسارة للتعددية التي
ميّزت دائماً بلاد الشرق الأوسط،
وغياب الصوت المسيحي سيسبّب إفقار
المجتمعات الشرق أوسطية".
ولعلّ من أهم النقاط التي أشارت
إليها الوثيقة في فقرتها الأولى
هو ضرورة "أن يعمل الكاثوليك على
تقديم أفضل مساهمة في تعميق مفهوم
الدولة العلمانية الإيجابية (وهذا
المفهوم أطلقه البابا بندكتوس
السادس عشر في زيارته إلى فرنسا
أثناء مراسم الاستقبال في قصر
الإليزيه) بالاشتراك مع باقي
المواطنين المسيحيين وأيضاً مع
المسلمين المفكّرين والمصلحين.
وبذلك سيساعدون في تخفيف
الثيوقراطية لبعض الحكومات، مما
يسمح بمزيد من المساواة بين
المواطنين من مختلف الديانات،
ويعمل على تنمية ديمقراطية سليمة،
علمانية إيجابية، تعترف اعترافاً
كاملاً بدور الدين حتى على مستوى
الحياة العامة، مع كامل الاحترام
للتمييز بين النظام الديني
والنظام الزمني".
أمّا التحديات التي تواجه
المسيحيين في الشرق الأوسط، فقد
لخصتها الوثيقة بما يلي: أ)
الاحتلال الإسرائيلي للأراضي
الفلسطينية، وما يتبعه من دعم بعض
الجماعات المسيحية الأصولية للظلم
الواقع على الفلسطينيين استناداً
إلى الكتاب المقدّس، ما يجعل وضع
المسيحيين العرب أكثر حرجاً. ب)
حرب العراق التي أطلقت العنان
لقوى الشر في البلاد، فراح ضحيتها
الكثير من العرااقيين من كل
الفئات، ومنها الجماعات المسيحية
التي هي الأصغر والأضعف، وعدم
مبالاة السياسة الدولية بالأمر.
ج) انقسام المسيحيين السياسي في
لبنان، بحيث لا يوجد مشروع مقبول
من الجميع. د) في مصر هناك خطر
تصاعد الإسلام السياسي من جهة،
ومن جهة أخرى انعزال المسيحيين عن
المجتمع المدني، إضافة إلى
الأسلمة عبر وسائل الإعلام
والمدارس. هـ) في تركيا، المفهوم
الحالي للعلمانية مازال يطرح
تساؤلات حول الحرية الدينية
الكاملة في البلد.
ولا بد من الإشارة إلى أن الوثيقة
تطرقت أيضاً إلى مفهوم الحرية
وحقوق الإنسان، التي تعني عادة في
الدول العربية حرية العبادة، دون
أن تعني بذلك حرية الانتقال من
ديانة إلى أخرى، فالديانة في
الشرق عادةً ما تكون اختياراً
اجتماعياً بل قومياً، لا اختياراً
فردياً. فتغيير الديانة يُعتَبَر
خيانة تجاه المجتمع والثقافة
والأمة المبنية على تقليد ديني.
وهنا تؤكّد الوثيقة على رفضها
القاطع للاقتناص المسيحي. وموقف
الكنيسة من هذه القضية هو ما عبّر
عنه قداسة البابا بندكتوس في
رسالته العامة "الله محبة" بالقول:
"من يمارس المحبة باسم الكنيسة،
لن يحاول أبداً أن يفرض على
الآخرين إيمان الكنيسة. إنّه يعرف
أنّ الحب في نقائه ومجانيته هو
أفضل شهادة لله الذي نؤمن به
والذي يدفعنا إلى أن نحب".
كما تطرّقت الوثيقة في فقرتها
الأولى إلى الهجرة المتزايدة وذلك
بسبب الصراع العربي الإسرائيلي
وعدم الاستقرار الذي أحدثه في
المنطقة، إضافة إلى الوضع المهدّد
في العراق وعدم الاستقرار السياسي
في لبنان. والأهم من ذلك هو
السياسات الدولية التي غالباً ما
تتجاهل الحضور المسيحي في محافلها،
والضحية الأولى هم المسيحيون. من
هنا تؤكّد الوثيقة على السلام
والديمقراطية المصحوبين بنمو
اقتصادي كافٍ وبالتالي نمو
اجتماعي وثقافي للدول التي ينتمي
إليها المسيحيون، تقدر على خلق
المناخ والظروف التي لا يشعر فيها
المسيحيون، أفراداً وعائلات،
أنّهم مدفوعون إلى الهجرة مثلما
هم عليه اليوم.
هذه هي أهم النقاط التي أضاءت
عليها الوثيقة في فقرتها الأولى،
وهي نقاط جديرة بالاهتمام
والتفكير، نظراً للجرأة التي تحلت
بها في طرح المواضيع، وخاصةً
موضوع الصراع العربي الإسرائيلي
وتغلغل المسيحية الأصولية فيه،
وضرورة التمييز بين هذه المسيحية
المتصهينة والمسيحية الأصيلة التي
تنتمي إليها كنائسنا الشرقية.
بقي أن أشير في النهاية إلى أنّه
وبقراءة هذه الوثيقة، نجد أن
الحديث عن المسيحيين في سوريا
غائب، وذلك مردّه بكل بساطة إلى
الحالة الصحية التي يعيشها
المسيحيون في سوريا، والتي لا
تتهدّدها أخطار مثل الانقسام
السياسي أو الحروب والاضطهادات أو
غيرها من الأمور التي أثارتها
الوثيقة. حيث أن سوريا، وعبر
تاريخها، لم تشهد مشاهد الصراع أو
القتال الطائفي، بل على العكس
كانت دائماً مثالاً للتعايش بين
جميع الأديان، وهاهي اليوم تستقبل
المسيحيين العراقيين المهاجرين
بكل فرح ومحبة وتساعدهم على أداء
حاجاتهم بكل ما لديها من إمكانيات.
بل وأكثر من ذلك، إن العلمانية
الإيجابية التي تحدّثت عنها
الوثيقة، هي حاضرة في فكر الكثير
من المفكّرين السوريين وعلى رأسهم
الرئيس الأسد الذي تكلّم في أكثر
من مناسبة عن العلمانية التي
تحترم الأديان، كقوله لجريدة
السفير مثلاً: "العلمانية لا تعني
استبعاد الأديان، بل تعني حرية
الأديان". كذلك سماحة مفتي سوريا
الشيخ أحمد بدر الدين حسّون، ركّز
وفي أكثر من مناسبة أيضاً على
مفهوم العلمانية الإيجابية كقوله
في محاضرة له في قرية زيدل: "أنبياؤنا
لم يؤسسوا دولاً دينية، أنبياؤنا
أقاموا إنساناً مؤمناً ثم قالوا
أقم الدولة التي تريد، فالمسيح ما
أقام دولة لأنّه قال: ما لقيصر
لقيصر وما لله لله ما جئته هو لبثّ
الحياة في الإنسان ليكون الإنسان
هو الكنيسة والإنسان هو المسجد.
الإنسان هو المقدّس".
الأب عامر
قصار
الأبجدية الجديدة
|
|
|
|
copyrights © 2010-2011
www.alkhreibat.com
all right reserved
Designed & Powered By :Nouar Naddaf
Directed by : Nouar
Naddaf - Johny Alabras
|
|
|